المرأة السورية بين الحق في التعليم ومحاولات فرض الوصاية

هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: English

بقلم: شذا ميشيل كيلو

حقوقية وقاضية نيابة عامة سابقة، وعضوة في منظمة «حقوقيات»

أثار القرار الأخير  لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، القاضي بقصر القبول في بعض الاختصاصات الجامعية على الذكور في كليات ومعاهد محددة ضمن مفاضلة القبول الجامعي للعام الدراسي 2026–2027،تساؤلات جدية حول تكافؤ الفرص في التعليم العالي. لكن القلق لا يتعلق بالقرار وحده، بل يمتد إلى النهج الأوسع الذي تتبعه السلطة الانتقالية تجاه النساء منذ وصولها إلى الحكم. فحين تتراكم القرارات والتصريحات والممارسات التي تمس حقوق النساء وخياراتهن، يصبح من الصعب التعامل مع كل منها بوصفه إجراءً منفردًا، معزولًا عن دلالاته الأوسع.

بدايةً، ثمة سردية يجري الترويج لها، صراحة أو ضمنًا، مفادها أن سقوط النظام السابق يقتضي إعادة المجتمع إلى ما تراه السلطة الجديدة صوابًا، وكأن المجتمع السوري لم يكن قد راكم، قبل وصولها إلى الحكم، مكتسبات اجتماعية وحقوقية وفكرية تستحق الحفاظ عليها.

كلا، لم تكن هذه المكتسبات من صنع النظام السابق، ولم تكن منحةً منه، بل كانت ثمرة تحولات شهدها المجتمع السوري ونضالات خاضها رجاله ونساؤه، كلٌّ في مجاله. وكانت النساء في صلب هذا المسار، من خلال سعيهن إلى التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، ونضالهن من أجل انتزاع حقوقهن وتوسيع حضورهن في المجتمع. وقد راكمت هذه المكتسبات جهود أجيال من النساء والرجال، ولا يجوز اختزالها في عهد سلطة بعينها أو نسبتها إليها. فإدانة جرائم النظام السابق لا تعني إنكار تاريخ المجتمع السوري ومكتسباته، ولا تمنح أي سلطة لاحقة حق الانتقاص منها أو إعادة تعريفها وفق تصوراتها الأيديولوجية.

وينطبق الأمر نفسه على تنوّع المجتمع السوري، الذي لم تكن نساؤه يومًا على نموذج واحد في التدين أو اللباس أو نمط الحياة. فقد تعايشت فيه أنماط مختلفة من المحافظة والانفتاح، وظلت خيارات النساء متعددة، ولم يكن هذا التنوع يومًا انحرافًا يستدعي التصحيح. ومن هنا، فإن ما يثير القلق اليوم هو تكرار  المؤشرات الدّالة  على  محاولة فرض صورة محددة للمرأة السورية، تُرسم فيها مسبقًا حدود ما ينبغي لها أن تدرسه، والمجالات التي يمكنها العمل فيها، والدور الذي يُفترض أن تؤديه في المجتمع، وصولًا إلى مظهرها الخارجي واللباس الذي يُراد لها أن تظهر به.

وتتجلّى هذه المؤشرات في تصريحات تقسّم الأدوار بين النساء والرجال استنادًا إلى تصوّرات مسبقة عن طبيعة كلٍّ منهما، وفي القيود المفروضة على فرص النساء في بعض الاختصاصات الجامعية، كما تظهر في حملات التوجيه بشأن لباسهن، ومنها حملة «الشيخ الذهبي» التي وصلت إلى الجامعات السورية. ومن بين الأنشطة التي نظّمتها الحملة في هذا السياق، ملتقى دعوي أُقيم في كلية طب الأسنان بالجامعة في 17 حزيران/يونيو 2026، ونشرت الحملة مقاطع مصوّرة منه عبر حساباتها، في إطار جهودها للدعوة إلى ارتداء الخمار و واللباس الذي تصفه بالشرعي.

وقد أثار النشاط تساؤلات بشأن إقامة فعاليات دعوية داخل مؤسسة تعليمية يفترض أن تكون فضاءً للعلم والتفكير النقدي والتنوع. وبعد تداول مقاطع النشاط والجدل الذي رافقه، أعلنت جامعة دمشق ضرورة الحصول على موافقات رسمية مسبقة لإقامة أي فعالية داخل الحرم الجامعي، محذرة من المساءلة القانونية والإدارية للمخالفين.

وهذا ما يدفعنا إلى طرح أسئلة لا تتعلق باللباس نفسه، بل بحرية الاختيار: لماذا تتحول الجامعات إلى ساحات للترويج لنموذج بعينه من اللباس والهوية؟ وكيف يمكن السماح بمثل هذه الممارسات داخل المؤسسات التعليمية من دون ضمان استقلالية هذه المؤسسات و حيادها تجاه الخيارات الشخصية، واحترام حق الطلاب والطالبات في الاختلاف؟ وأين تبدأ مسؤولية الدولة في حماية حرية الاختيار وصون التنوع المجتمعي، وضمان ألا تتحول المؤسسات التعليمية إلى أدوات لفرض تصورات إيديولوجية محددة على النساء؟

ليست المشكلة في الحجاب أو الخمار أو النقاب، كما أنها ليست في اختيار المرأة عدم ارتداء أيٍّ منها؛ فهذه خيارات شخصية ينبغي أن تُصان حرية اتخاذها. المشكلة تبدأ حين يُقدَّم أحد هذه الخيارات باعتباره الشكل الصحيح أو الأصيل للمرأة السورية، وتتحول القناعة الشخصية إلى معيار يُفرض عليها، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

ولا تنفصل هذه المحاولات عن التدخلات في تفاصيل الحياة الاجتماعية من الفصل بين الرجال والنساء في بعض الأماكن، إلى القرارات المحلية التي تقيّد دخول العريس إلى صالات مخصصة للنساء في حفلات الزفاف، فضلًا عن التعاميم المتعلقة بمظهر الموظفات ، ففي كانون الثاني/يناير 2026، أثار تعميم يحمل توقيعًا منسوبًا إلى محافظ اللاذقية جدلًا واسعًا، بعدما نصّ على منع الموظفات في الجهات العامة والشركات التابعة لها من وضع المكياج خلال الدوام الرسمي، تحت طائلة المساءلة. وأكدت منصة «تأكد» صحة التعميم، نقلًا عن مصدر رسمي في المحافظة. وبعد ذلك، أصدرت مديرية إعلام اللاذقية توضيحًا قالت فيه إن المقصود هو تنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة في استخدام مستحضرات التجميل، لا التضييق على الحريات الشخصية. لكن هذا التوضيح لا يلغي التساؤل الأساسي حول حدود تدخل الإدارة العامة في المظهر الشخصي للعاملات، والمعايير التي تستند إليها في تحديد ما يُعد مقبولًا أو مبالغًا فيه .

وفي مثال آخر على التدخل في تفاصيل الحياة الاجتماعية، أثار قرار المكتب التنفيذي لمجلس مدينة دوما، الصادر في 22 أيلول/سبتمبر 2026، جدلًا بعدما نص على منع دخول العريس إلى حفلات النساء في صالات المدينة. ووفقًا لمنصة «تَأكّدْ‎»، نشر المجلس القرار عبر صفحته الرسمية، قبل أن يحذف المنشور لاحقًا، فيما صدر قرار مماثل عن المكتب التنفيذي لمجلس بلدة سرغايا. وتكشف هذه الوقائع عن إشكالية تتجاوز تنظيم حفلات الزفاف إلى حدود صلاحيات الإدارات المحلية في فرض قواعد على الحياة الخاصة والاجتماعية للأفراد والعائلات.

ولا يقتصر الأمر على القرارات الصادرة عن جهات رسمية، بل يثير القلق أيضًا ما يبدو أحيانًا انجرارًا من بعض المؤسسات نحو تبنّي توجهات اجتماعية محافظة، سعيًا إلى التماهي مع السلطة أو استباق ما قد يرضيها. ومن الأمثلة على ذلك قرار إدارة معهد الحرية المعروف تاريخيًا و شعبيًا باسم مدرسة «اللاييك»،  فصل الطلاب عن الطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع تخصيص صفوف وباحات منفصلة، ابتداءً من العام الدراسي 2026–2027، مع استثناء المرحلة الابتدائية.

وقد أثار القرار نقاشًا بشأن دوافعه والجهة التي تقف وراءه. وفي توضيح لمنصة «تَأكّدْ‎»، قالت إدارة المعهد إن القرار صدر عنها بصورة مستقلة، ونفت ارتباطه بتوجيه من جهة رسمية، مبررة إياه باعتبارات تربوية وسلوكية، من بينها مشكلات قالت إنها رصدتها في البيئة التعليمية واعتراضات بعض الأهالي على الاختلاط. لكن تبريرات الإدارة، بصرف النظر عن تقييمها، لا تنهي النقاش بشأن توقيت هذا القرار والدوافع وراء هذه التحولات في موقف الادارة، ومدى استنادها إلى مقتضيات تعليمية فعلية أم إلى تصورات اجتماعية وأيديولوجية آخذة في فرض نفسها.

لا تقتصر آثار هذه الممارسات على تقييد حرية الأفراد أو تغيير أنماط الحياة اليومية، بل تمتد إلى تشكيل تصورات المجتمع عن العلاقة بين النساء والرجال. فعندما يتكرر الفصل بينهما في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل والفضاءات العامة ، ويُقدَّم الاختلاط وكأنه أمر يستدعي الضبط والمنع، فقد يترسخ تدريجيًا تصور للمرأة بوصفها مصدرًا للإشكال أو طرفًا ينبغي تنظيم حضوره وتقييده، بدلًا من التعامل معها بوصفها فردًا كامل الأهلية، له الحق في الوجود والمشاركة على قدم المساواة مع الرجل. وهكذا، لا تعود المسألة مجرد ترتيبات تنظيمية متفرقة، بل تصبح جزءًا من عملية أوسع تعيد تشكيل نظرة المجتمع إلى النساء، وإلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمعهن بالرجال، بدلًا من ترك هذه العلاقة تنمو بصورة طبيعية، في إطار من الاحترام المتبادل والتعامل الإنساني المتكافئ. وهنا يبرز سؤال يتجاوز حقوق النساء إلى طبيعة الدولة نفسها: هل تُنظَّم الحياة العامة وفق مؤسسات وقوانين واضحة، أم  تُترك الحياة العامة لتصورات جهات متعددة، رسمية وغير رسمية، يجمعها تقارب أيديولوجي مع السلطة الانتقالية، فتتدخل في خيارات الناس وتحدّ من حرياتهم، في ظل ما يبدو أنه تسامح ضمني، وإن لم يكن معلنًا، من الجهات العليا في السلطة؟

وفي الوقت الذي تستدعي فيه هذه التدخلات اهتمامًا متزايدًا بمظهر النساء وسلوكهن، تظل حوادث خطف النساء والفتيات مصدر قلق جدي بشأن سلامتهن وقدرتهن على العيش بأمان. إنّ المسؤولية الأساسية للدولة هي حماية المواطنين والمواطنات، والتحقيق في الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، وصون الحقوق والحريات، والعمل على معالجة الأزمات المعيشية وتحسين ظروف حياة الناس، لا الانشغال  عن ذلك  بفرض  قواعد تقيّد هذه الحريات وتحدّ منها، أو بالسماح بفرضها. ويُضاف إلى ذلك أن محدودية تمثيل النساء في مواقع صنع القرار تطرح سؤالًا آخر حول مدى مشاركتهن الفعلية في رسم السياسات وتحديد مستقبل البلاد؛ فمجرد وجود نساء في بعض المناصب لا يكفي إذا ظل تأثيرهن في صنع القرارات محدودًا أو شبه معدوم.

لهذا، فإن القلق إزاء القرارات التي تمس حقوق النساء وحرياتهن ليس مبالغة، ولا اعتراضًا على الدين أو على المجتمع المحافظ، بل هو، في ضوء ما سبق، قلق مبرر وموقف دفاعي مشروع في مواجهة تدخل السلطة في الحقوق والحريات الشخصية والاجتماعية والفكرية، وفي مواجهة استبدال وصاية بأخرى، أو إحلال شكل من التسلط محل آخر. ومن هنا، يغدو من حقنا أن نسأل عن المعايير والضوابط التي تحكم القرارات والتدابير التي تتخذها جهات ومسؤولون مختلفون، وتحدّد ما يناسب النساء وما لا يناسبهن، في ظل غياب مرجعية واضحة تضبط هذه التدخلات وتحدّ من القرارات الفردية. كما يحق لنا التساؤل عن مسؤولية السلطة اانتقالية  في مواجهة هذه الممارسات، ووضع حدود لتدخل المؤسسات والمسؤولين في الحياة الشخصية والاجتماعية للنساء، بدلًا من التغاضي عنها. فهل تنسجم هذه الممارسات مع مسؤولية الدولة في حماية حقوق المواطنات والمواطنين، أم أنها تفتح الباب أمام تكريس تصورات أيديولوجية محددة على حساب حرية الاختيار والتنوع المجتمعي؟

لا نريد سلطةً تتكوّن من رجال يتبنون توجهًا أيديولوجيًا واحدًا، فتقرّر نيابةً عن النساء ما يرتدينه، وأين يدرسن، وما الوظائف التي تناسبهن، والأدوار التي ينبغي لهن أن يشغلنها. فمن أرادت دراسة الهندسة أو الإعلام، أو العمل في الأمن أو الإدارة، ينبغي أن تُقيَّم وفق كفاءتها والشروط الموضوعية للمهنة، لا وفق جنسها. ومن أرادت أن تكون أمًا أو موظفة أو باحثة أو مخرجة أو قائدة طائرة، أو أن تجمع بين أدوار متعددة، فهذا شأنها وحقها، وهي صاحبة الحق في اختيار المسار الذي يناسبها.

ليس مطلوبًا من سلطة انتقالية أن تصنع نساءً على صورتها، بل أن تضمن لهن الحرية والكرامة وتكافؤ الفرص، وأن تحمي حقهن في تقرير خياراتهن بأنفسهن. فالمرأة السورية مواطنة كاملة الحقوق، وليست مشروعًا لإعادة التأهيل، ولا صفحة بيضاء ترسم السلطة هويتها عليها وتحدّد لها كيف ينبغي أن تعيش.


شارك/ي